الفصل ١
٠١المواجهة الأولى
كان صباحاً عادياً: رنين المنبه المتكرر، وأصوات السيارات في الشارع، والقهوة التي اعتدت احتساءها على عجل قبل أن أهرع إلى العمل. كل شيء كان مألوفاً، لكن في الداخل كان هناك شيء مختلف؛ ثِقلٌ يسيطر عليّ منذ أيام دون أن أجد له تفسيراً.
كان كل شيء يسير على نحو جيد نسبياً: عملي مستقر، وعلاقاتي متينة إلى حد ما، ومع ذلك كان شيء ما يضغط على صدري، ويجعلني أفقد السيطرة على مشاعري في لحظات غير متوقعة.
في ذلك اليوم كان عليّ أن ألتقي فريقي في اجتماع مهم. دخلت غرفة الاجتماعات محاولاً إخفاء التوتر المتراكم في داخلي، وفتحت جهازي أستعرض المستندات. وبينما كانت العروض تتوالى عجزتُ عن التركيز، فأفكاري تتسابق كأمواج تضرب بعضها دون توقف.
ثم حدث ما كنت أخشاه: بدأ أحد زملائي ينتقد مشروعاً عملت عليه أسابيع. حاولت أن أتماسك، لكنني شعرت بشيء يتفجر في داخلي؛ خرجت الكلمات من فمي قبل أن أفكر فيها، فرفعت صوتي ودخلت في جدال حاد فاجأني أنا قبل غيري.
حين انتهى الاجتماع وخرج الجميع بقيت وحدي في الغرفة، والندم يتسرب إلى أعماقي. كيف سمحت لنفسي أن أتصرف هكذا؟ ولماذا لم أستطع التحكم في مشاعري؟ عرفتُ في تلك اللحظة أن شيئاً يجب أن يتغير، لكن ما هو؟ وكيف؟
غادرت المكتب مبكراً إلى بيتي، فقد كنت بحاجة إلى التفكير. وفي الطريق اختلطت في داخلي مشاعر الغضب والحزن والإحساس بالفشل. جلست في غرفتي، ملاذي الوحيد من العالم، لكن الراحة لم تأتِ هذه المرة كما كانت تأتي، فالعواصف الداخلية كانت تزداد قوة.
فتحت حاسوبي وبدأت أبحث عن إجابات: كيف أتعامل مع هذه المشاعر؟ وكيف أفهم نفسي فهماً أفضل؟
بعد ساعات من القراءة وجدتُ نفسي أمام مفهوم لم أسمع به من قبل: الذكاء العاطفي. كان يتحدث عن فهم المشاعر وإدارتها، وعن التعامل مع الضغوط والتفاعل مع الآخرين بفعالية؛
وكان هذا بالضبط ما أحتاجه. ثم اكتشفت تقنيات العلاج السلوكي المعرفي (CBT) والعلاج السلوكي الجدلي (DBT)، فبدت لي مفاتيح لأبواب لم أكن أعلم بوجودها في داخلي.
لم يكن غضبي سوى انعكاس لأفكار خاطئة أحملها عن نفسي وعن العالم من حولي.
بدأت أتعرف إلى الأفكار السلبية التي سمحتُ لها بالسيطرة عليّ، وكيف يمكنني استبدالها بأفكار أكثر واقعية وإيجابية. وقررت أن أبدأ رحلة جديدة نحو فهم أعمق لذاتي، رحلة لا أكتفي فيها بالسيطرة على مشاعري، بل أفهمها وأوجّهها لصالحي.
كنت أعلم أن الأمر لن يكون سهلاً، لكنني كنت مستعداً للتحدي. وفي تلك الليلة، ولأول مرة منذ زمن طويل، شعرت بالهدوء يتسرب إلى داخلي. لم يكن هدوءاً كاملاً، لكنه كان بداية: بداية لفهم جديد، ولرحلة نحو التوازن.
في عالم اليوم
كثير من انفجاراتنا اليوم لا يحدث في غرف الاجتماعات، بل في الرسائل النصية ومجموعات العمل والتعليقات. قاعدة بسيطة تحمي العلاقات: لا تكتب ردّاً وأنت غاضب، وأجّل الإرسال حتى تهدأ. وقد أوصى النبي ﷺ رجلاً سأله الوصية فقال: «لا تغضب»، وردّدها مراراً.
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.

