الفصل ٩
٠٩الإيمان واليقين
بعد أن صارت التوبة والاستغفار جزءاً من يومي، وشعرت بقرب الله في كل لحظة، أدركت أن هناك بُعداً أعمق عليّ أن أبلغه: الإيمان واليقين. فالإيمان ليس مجرد الاعتقاد بوجود الله، بل الثقة الكاملة واليقين بأن كل ما يحدث في حياتي بتقدير الله وحكمته.
بدأت ألاحظ كيف تسير بعض الأمور على غير ما أتوقع، في العمل أو في علاقاتي. كنت في السابق أقلق وأتوتر حين لا تجري الأمور كما خططت، أما الآن فقد بدأت أعيش معنى اليقين: أن الله يختار لي الأفضل، حتى لو لم أفهم الحكمة في البداية.
وذات يوم واجهت تحدياً كبيراً في العمل: مشروع مهم تأخر على غير توقع، والضغوط شديدة لإنهائه في موعده. كنت في الماضي سأنهار تحت القلق، لكنني هذه المرة جلست في مكتبي وأخذت نفساً عميقاً وأغمضت عينيّ، ورددت في قلبي: «أوقن أن الله يعلم ما لا أعلم، وأنه سيجعل من هذا التحدي فرصة للنمو».
كان اختباراً حقيقياً لإيماني، فوضعت ثقتي كاملة في الله، ثم أعدت ترتيب أفكاري وركزت على الحلول بدل المشكلات. ومع الوقت بدأت الأمور تتحسن، وأدركت أن في التأخير حكمة، وأن ما حدث كان جزءاً من تدبير أكبر لم أكن أراه.


نصّ هذا الشكل
التحدي · ١ · السعي · والعمل · ٢ · الثقة · بحكمة الله · ٣ · السكينة · ٤ · شكل ١٧
علّمني اليقين أن في التسليم الكامل لله قوة. لم يكن هذا التسليم استسلاماً للأقدار، بل كان يصحبه العمل الجاد والثقة بأن الله سيكتب الخير. وكلما شعرت بالخوف أو القلق تذكرت قوله تعالى:
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
صارت هذه الآية شعاري اليومي. كل شيء مكتوب، والله يدبّر الخير حتى في أصعب الظروف، ولا يحدث شيء في الكون إلا بحكمة. ولم يكن اليقين كلمات أرددها، بل منهج حياة أحاول تطبيقه في كل تفاصيلها.
فحين أفكر في مستقبلي، في العمل أو في حياتي العائلية، أشعر بأن الله يتولاني، فلم أعد أخاف المستقبل كما كنت؛ يكفيني أن أبذل جهدي وأترك الباقي لله.
وفي إحدى الأمسيات جلست مع عائلتي أحدثهم عن الإيمان واليقين، فقلت: «الإيمان ليس أن نؤمن بالله في الأوقات الجيدة فقط، بل أن نؤمن بحكمته في الأوقات الصعبة. واليقين أن نثق بأن الله يعلم ما هو خير لنا حتى حين لا نفهم».
فالإيمان واليقين لا يعنيان ترك العمل أو الجلوس والانتظار، بل أن نبذل قصارى جهدنا ثم نترك النتائج بين يدي الله. ما زلت أسعى إلى أهدافي، لكنني لم أعد أقلق على النتائج.
ومع الوقت شعرت بتغير حقيقي في روحي وحياتي. لم أعد أخاف المجهول، بل صرت أرى كل موقف صعب فرصة لدرس جديد في الإيمان، وكل تحدٍّ يقوّي يقيني بأن الله معي. تعلمت أن الإيمان يُختبر في مواجهة الصعاب لا في الرخاء وحده، وأن كل لحظة في حياتي جزء من رحلة إيمانية مستمرة نحو السلام الداخلي والرضا.
«عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له».
في عالم اليوم
يعيش عالمنا قلقاً جماعياً من المستقبل: الاقتصاد، والوظائف التي قد تحلّ الآلة محلّها، والأخبار المتلاحقة. اليقين لا يلغي التخطيط والتعلّم المستمر، لكنه يحرّر القلب من الهلع؛ فالرزق مقسوم، والسعي واجب، والنتائج بيد الله.
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.

