الفصل ٣
٠٣المواجهة مع الأفكار السلبية
مرت أسابيع منذ أن بدأت رحلتي مع الذكاء العاطفي، وكانت الأمور تتحسن تدريجياً؛ صرت أكثر سيطرة على مشاعري، وأملك أدوات لتنظيم ردود أفعالي. ومع ذلك لم تكن الرحلة سهلة، فقد ظهرت تحديات لم أكن أدركها.
كنت أستيقظ في بعض الأيام بقلق غير مبرَّر، تتسلل إلى ذهني أفكار بمجرد أن أفتح عينيّ، هواجس تجعلني أشك في نفسي وقدراتي، بل في استحقاقي للنجاح.
تجاهلتها في البداية، ثم أدركت أنها السبب الرئيسي خلف مشاعري السلبية.
بعد قراءة مكثفة اكتشفت العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، الذي قدّم لي إطاراً لفهم كيف تؤثر أفكاري مباشرة في مشاعري وسلوكي، وكيف تتحول الأفكار السلبية، إن لم تُضبط، إلى دوامة يصعب الخروج منها.


نصّ هذا الشكل
غيّر · الفكرة · الأفكار · المشاعر · السلوك · شكل ٤
جلست ذات ليلة بورقة وقلم، وكتبت كل فكرة سلبية تدور في ذهني: «أنا لست جيداً بما فيه الكفاية»، «سأفشل حتماً»، «الناس لا يأخذونني بجدية». وحين نظرت إلى الورقة أدركت أن هذه الأفكار كانت ترافقني دائماً، لكنني قررت هذه المرة أن أواجهها.
التحدي الأول: إعادة الهيكلة المعرفية
من أهم أساليب العلاج المعرفي «إعادة الهيكلة المعرفية»: أن أتحدى الأفكار السلبية وأستبدل بها أفكاراً أكثر واقعية وإيجابية. فأخذت كل فكرة كتبتها وحللتها كأنني في محاكمة، يراجع فيها عقلي الأدلة ويزن مدى صدقها. بدأت بالأولى: «أنا لست جيداً بما فيه الكفاية».
هل هذا صحيح؟ هل من دليل حقيقي يدعمه؟ تذكرت إنجازاتي السابقة، والمرات التي تخطيت فيها تحديات صعبة، وسألت نفسي: «إن لم أكن جيداً، فكيف حققت كل هذا؟» فأدركت أن الفكرة مبنية على مشاعر لحظية لا على حقائق.
ثم انتقلت إلى الثانية: «سأفشل حتماً». كنت أخاف الفشل في كل مشروع أبدؤه، لكنني أدركت أن الفشل ليس نهاية العالم، وأنني تعلمت من كل تجربة فشل مررت بها، فكتبت بجانبها: «الفشل جزء من التعلم».
وهكذا صرت أحوّل كل فكرة سلبية إلى فرصة لتحدي نفسي وتحسين طريقة تفكيري. لم يكن الأمر سهلاً، فالأفكار كانت تحاول العودة مراراً، لكنني كنت جاهزاً لمواجهتها في كل مرة.
تمرين: محاكمة الفكرة
اكتب فكرة سلبية تتكرر عندك، ثم اكتب تحتها عمودين: «الأدلة التي تؤيدها» و«الأدلة التي تنقضها». بعد ذلك صُغ فكرة بديلة متوازنة تستند إلى الأدلة لا إلى الشعور، وردّدها كلما عادت الفكرة الأولى.
التحدي الثاني: التعرض التدريجي
وتعلمت تقنية أخرى تُعرف بـ«التعرض التدريجي»: أن أواجه مخاوفي خطوة بعد خطوة حتى أتمكن منها بدل أن أهرب منها. كان لديّ خوف دائم من تقديم العروض أمام زملائي؛ أتوتر قبل كل اجتماع وأخشى الانتقاد أو الخطأ أمام الجميع.
فبدأت بالحديث أمام مجموعة صغيرة أرتاح إليها، ورغم بقاء التوتر لاحظت أن الأمر لم يكن سيئاً كما تخيلت، وأن ردود الفعل كانت إيجابية.
أدركت أن الخوف كان مبنياً على توقعات غير واقعية. وبعد عدة محاولات ناجحة تحديت نفسي أمام جمهور أكبر، وكلما شعرت بالخوف تذكرت القاعدة: خطوة صغيرة إلى الأمام، ومواجهة الخوف، والاعتراف بالشعور دون الهروب منه.
التحدي الثالث: مواجهة الشك الذاتي
أما التحدي الأكبر فكان الشك الذاتي، ذلك الصوت الداخلي الذي يشكك في كل خطوة، والعدو الخفي الذي يدفعني إلى التراجع كلما أوشكت على التقدم. تعلمت أن الشك الذاتي ليس حقيقة مطلقة، بل صوت يحاول حمايتي من الفشل. فقررت أن أتعامل معه بوصفه جزءاً مني، لكنه ليس بالضرورة محقاً.
وكلما ظهر توقفت وسألت: «هل هذا صحيح؟ أم أنني أخاف فقط من الخروج من منطقة راحتي؟» ومع الوقت شعرت بقوة جديدة، وصرت أرى الشك دعوة للنمو لا للتراجع.
لم يكن التحسن سهلاً ولا سريعاً، لكنني كنت أشعر بأنني أتحرك في الاتجاه الصحيح. كل فكرة سلبية تحديتها، وكل خوف واجهته، كان يقربني خطوة أخرى من التوازن الذي طالما بحثت عنه.
في عالم اليوم
يغذّي التصفح المستمر لحياة الآخرين المصقولة على الشاشات فكرة «أنا لست جيداً بما فيه الكفاية». جرّب أن تراقب ما تستهلكه كما تراقب أفكارك، فالمقارنة الدائمة باب للحسد ونقص الرضا، وقد قال النبي ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألّا تزدروا نعمة الله عليكم».
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.

