الفصل الثالث
٠٣ما وراء المرئي
٣-١إعادة تعريف التأثير
تأتي على كل مسيرة لحظة يتغير فيها مقياس النجاح. في البداية يُقاس التقدم بالمؤهلات والمشروعات المنجزة، ثم يمضي الوقت فيصبح السؤال الأهم: ما الذي غيّرتَه بعملك؟ هذا السؤال في صميم مسيرتي. فعملي لم يقف عند تصميم أنظمة آمنة أو قيادة مبادرات تقنية، بل حملته رؤية أوسع لكيف يتطور الذكاء الاصطناعي وهو يسير إلى جانب الإنسان. لم أرَ الأمن يوماً سوراً تقنياً حول الآلات؛ ففي زمن يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي المستقل أن يؤثر في القرار، صارت حماية إرادة الإنسان جوهر ما أفعل.
ومن أهم ما قدمت «النموذج الموحد لنضج الأمن الإدراكي». يجمع هذا الإطار بين المبادئ الراسخة لأمن المعلومات والأساليب الناشئة التي تعالج الأبعاد الإدراكية والنفسية للذكاء الاصطناعي. وهو ثمرة سنوات من البحث، ويقوم على قناعة بأن التقنية يجب أن تقوّي قدرة الناس على الاختيار. وتقف خلفه فلسفة لم تتغير طوال مسيرتي. وفي الصفحات التالية أحكي كيف انتقلت هذه الأفكار من النظرية إلى نقاش أوسع حول مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول.
من عملوا معي نادراً ما يبدؤون حديثهم عني بالتقنية؛ يتذكرون أولاً كيف كنت أتعامل مع المواقف الصعبة. فحين يظهر تحدٍّ لم يكن في الحسبان، كنت أحاول أن أُدخل إلى الغرفة شيئاً من الوضوح؛ لا أترك الضغط يملي القرار، بل أدفع نحو تفكير هادئ وعملي. وقد أثبت هذا النهج قيمته في المبادرات الكبرى، من استعادة البنية التحتية الحيوية إلى دعم توسع المؤسسة في مناطق جديدة. كل مشروع احتاج إلى قيادة مدروسة، لكن هدفي بقي كما هو: أنظمة يثق بها الناس، وفرق تعمل مطمئنة حتى حين يغيب اليقين.
والفلسفة نفسها صاغت التقنيات التي قدمتها. فقد غيّر نشر بوابة ISD وإطار حافة خدمة الوصول الآمن (SASE) في المؤسسة علاقة الناس ببيئتهم الرقمية؛ لم يعد الموظف مطالباً بأن يتكيف كل يوم مع أنظمة معقدة، لأن التقنية صُممت لتعمل في الخلفية بسلاسة، فيتفرغ هو لعمله لا لأدواته.
٣-٢الهدف قبل التقدم
ومع تغلغل الذكاء الاصطناعي في المجتمع، اتسع بحثي وعملي ليواجه تحدياً أكبر. لم يعد الحديث عن حماية البيانات أو البنية التحتية وحدها. فمن خلال عملي في الأمن الإدراكي وحوكمة الذكاء الاصطناعي، ظللت أدعو إلى تقنية تمنح الناس القوة وتحفظ لهم حرية التفكير المستقل. وكل ما قدمته، فنياً كان أو استراتيجياً، يعود إلى غاية واحدة: الابتكار يبلغ أعلى قيمته حين يقوّي من يعتمدون عليه.

استراحة بعد حوار استراتيجي في أبوظبي — القرارات التي تهم تُحسم عادةً بعيداً عن القاعة الرئيسية
لم يكن الابتكار عندي يوماً ملاحقة لكل صيحة جديدة. فكلما ظهرت تقنية جديدة لم أسأل أولاً: ماذا تستطيع أن تفعل؟ بل سألت: هل تحل مشكلة حقيقية؟ وهل يمكن الوثوق بها؟ وهل ستخدم الناس على المدى البعيد؟ بهذه الأسئلة اتخذت قراراتي كلها. فأنا أؤمن بأن النظام المرن يبدأ بأساس متين، وأن كل قرار معماري عليه أن يثبت استحقاقه لمكانه في التصميم الكبير. وقد ازدادت هذه الفلسفة أهمية والذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة لم نعهدها.
انشغلت مؤسسات كثيرة بتبني الذكاء الاصطناعي بأسرع ما يمكن، وانشغلت أنا بأن تكون هذه الأنظمة قابلة للحوكمة بمسؤولية. وقد نقل بحثي في الدكتوراه مفهوم «الدروع الإدراكية» من فكرة ناشئة إلى إطار منظّم تستطيع المؤسسات تطبيقه. ومن أجرأ قراراتي المهنية أن أقبل الدورين معاً: رئيساً تنفيذياً للذكاء الاصطناعي (CAIO) ورئيساً لأمن المعلومات (CISO). بدا الدوران للوهلة الأولى متعاكسين؛ واحد يدفع إلى الابتكار والاستكشاف، والآخر يطلب الحذر. أما أنا فلم أرَ بينهما تناقضاً، لأنني أؤمن بأن أقوى ذكاء اصطناعي هو ما يُبنى الأمان في أساسه من اليوم الأول، لا ما يُضاف إليه بعد اكتمال البناء.

على منصات المنتديات المهنية أشارك في الحوار حول تقنيات آمنة ومسؤولة ومستعدة للمستقبل.

متحدث مميز في مؤتمر ICEC 2021 بالقاهرة — بصفتي وقتها رئيس أمن المعلومات
٣-٣حين يعترف الأكاديميون بالممارسة
في عام ٢٠٢٦ جاء اعترافان أكاديميان لم أسعَ إليهما، لكنهما أكّدا لي أن الطريق الذي اخترته — طريق الممارسة الميدانية لا المسار الأكاديمي التقليدي — له قيمة تُقرأ خارج حدود المشروعات التي أنجزتها. منحتني كلية لندن للأعمال والعلوم (London School of Business & Science) الدكتوراه الفخرية في القيادة الاستراتيجية للأمن الإدراكي والديناميكيات الإنسانية. ومنحتني كلية دنستر للأعمال في سويسرا (Dunster Business School)، إلى جانب درجة الأستاذية، لقب أستاذ الممارسة في القيادة الشاملة للابتكار البرمجي المستمر.
وما يعنيني في هذين التكريمين ليس اللقب في ذاته، بل عنوانهما: «الأمن الإدراكي والديناميكيات الإنسانية»، و«القيادة الشاملة للابتكار المستمر». كلاهما يضع الإنسان في قلب المعادلة التقنية — وهو تحديداً ما ظللتُ أدافع عنه منذ أول غرفة عمليات دخلتُها. أن تأتي المؤسسات الأكاديمية لتسمّي هذا العمل بهذا الاسم، فذلك يعني أن الفكرة لم تعد اجتهاداً فردياً، بل صارت مجالاً معترفاً به. والمسؤولية بعد التكريم أثقل مما كانت قبله.

تعريف من كلية لندن للأعمال والعلوم، التي منحت الدكتوراه الفخرية في القيادة الاستراتيجية للأمن الإدراكي والديناميكيات الإنسانية
٣-٤مهندس النمو
لم تكن القيادة عندي يوماً وقوفاً في دائرة الضوء؛ غايتها أن تهيئ بيئة ينجح فيها الآخرون. وقد لاحظ زملائي طوال مسيرتي صفة تطبع طريقتي في القيادة: حين يغيب اليقين أتعامل معه بصبر، وأحمل القلق عن فريقي حتى يمضوا إلى الأمام واثقين. لم يقف دوري عند القرارات الفنية، بل كان أن أهيئ الظروف التي يُخرج فيها الناس أفضل ما عندهم. وربما لهذا تقترن كلمة «مهندس» باسمي عند من يعرفونني؛ فما أبنيه ليس أطراً تقنية فحسب، بل بيئات من الثقة.
بعض المرشدين يعلّمون من فوق المنصة، وبعضهم يعلّم في أحاديث العمل اليومية، وأنا من الفريق الثاني؛ فالتوجيه عندي منسوج في إيقاع العمل نفسه. في نقاشات المشروعات ومراجعات التصميم أدعو المهندسين إلى أن ينظروا أبعد من الإصلاح العاجل، فيصير الحديث فرصة للتفكير في الغاية من كل قرار تصميم. وقد رأيت كثيراً ممن عملوا معي ينتقلون من حل مشكلة تقنية معزولة إلى فهم مكان كل اختيار في الرؤية المعمارية الكاملة.
«أفضل نظام هو الذي لا تشعر بوجوده.»
عبارة بسيطة، لكنها تلخص فلسفة قادت كثيراً من مسيرتي: على التقنية أن تسند الناس دون أن تطالبهم بانتباههم طوال الوقت. فحين تؤدي الأنظمة عملها بأمان وسلاسة في الخلفية، يتفرغ الناس لعملهم. ومن هذه القناعة أفهم التمكين أيضاً؛ أن تمكّن غيرك يعني أن تهيئ له بيئة يثق فيها بنفسه ويتخذ قراره وحده. ورؤية الناس ينمون في بيئة كهذه من أجمل ما أجنيه من القيادة.
٣-٥البناء للأجيال
تعلمت على مدى مسيرتي أن تغيير حياة إنسان لا يحتاج دائماً إلى عمل كبير؛ أحياناً يكفي أن تمنحه شيئاً من الثبات حين يهتز كل ما حوله. وحين أفكر في الأثر الذي أرجو أن أتركه، لا تقف أفكاري عند التقنية. أرجو أن أُذكر واحداً ممن انتبهوا إلى التحديات الإدراكية للذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح تجاهلها مستحيلاً. ومن المحطات التي لها في نفسي معنى خاص يوم نلت الدكتوراه؛ فقد كان موعداً التقت فيه النظرية بالتطبيق.
ومن بين الأفكار الكثيرة التي صنعت مسيرتي، تبقى فكرة واحدة في المقدمة: «الدرع الإدراكي». ليس إطاراً تقنياً فحسب؛ إنه حكاية مهنة ظلت تتطور مع عالم يتغير. فحين تزداد قدرة الآلات الذكية على التأثير في القرار، تصبح حماية الحكم البشري في أهمية حماية المعلومات نفسها. ومن هذه القناعة وُلد «الدرع الإدراكي»، طريقةً عملية للتفكير في الأمن في عالم صار فيه العقل البشري جزءاً أساسياً من المشهد الرقمي.
ووراء هذه الرؤية قصة شخصية: أبٌ ينظر إلى ابنته الصغيرة ويتخيل العالم الذي ستكبر فيه. سيكبر جيلها مع أنظمة مستقلة تتعلم وتستنتج وتساعد بطرق كنا نظنها مستحيلة. في هذا المستقبل وعد كبير، لكنه يحتاج إلى قيادة واعية وابتكار مسؤول. وحين أفكر فيما أرجو أن يبقى بعد مسيرتي، أعود إلى فكرة واحدة: هذا المستقبل يستحق حماية لا تقف عند حدود التقنية.
وتغيّر فهمي للنجاح أيضاً. في مهن كثيرة يُحتفى بما يُرى، أما في الأمن السيبراني فأعظم الإنجازات لا يراها أحد: أنظمة تعمل بلا انقطاع، وهجمات لا تبلغ أهدافها، وتقنيات ذكية تبقى جديرة بالثقة لأن الضمانات الصحيحة وُضعت فيها من البداية. وربما هذه هي المفارقة الهادئة في عملي: كلما نجحت أكثر، قلّت حاجة الناس إلى أن يلاحظوني. هم يعيشون في عالم أكثر أماناً، ويكفيني هذا أثراً.
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.
