سجن الظنون

كان “فوزووز” في ورشته، يضع اللمسات الأخيرة على أهم تصميم في مسيرته. كان من المقرر أن يعرضه على “مجلس الحكماء” في “وادي الطموح” بعد ساعة واحدة فقط. مد يده إلى الرف ليأخذ المخطط النهائي… فلم يجده. شعر “فوزووز” ببرودة تسري في جسده. بحث في كل مكان على مكتبه، تحت الطاولة، في الأدراج. لا أثر للمخطط. بدأ الهلع يتسرب إليه. وتسارعت أنفاسه. وفجأة، قفزت إلى رأسه فكرة كالسم: “مُبتكر!”.

“صديقي مُبتكر كان هنا صباح اليوم! لقد رآني وأنا أعمل عليه. لا بد أنه أخذه. هو يغار من هذا التصميم ويريد أن يفسد عليّ العرض!”. في لحظة، تحول صديقه المقرب في عقله إلى عدو. شعر “فوزووز” بغضب شديد واستياء، وكان على وشك أن يركض إلى ورشة “مُبتكر” ليواجهه ويتهمه بالخيانة.

لكنه توقف فجأة. تذكر نصيحة قالها له صديقه “واعي” ذات مرة: “يا فوزووز، قبل أن تتصرف بناءً على شعور قوي، اسأل نفسك: هل أنا غاضب بسبب حقيقة، أم بسبب قصة ألفتها في عقلي؟”. قرر “فوزووز” أن “يدقق الحقائق” قبل أن يدمر صداقته. أجبر نفسه على الهدوء وأخذ نفسًا عميقًا.

سأل نفسه: ما هو الحدث الحقيقي؟: “أنا لا أجد المخطط الخاص بي”. ما هي ظنوني وافتراضاتي؟: “أفترض أن ‘مُبتكر’ سرقه. وأفترض أنه يغار مني. وأفترض أن مستقبلي قد دُمر”. هل مشاعري (الغضب والهلع) تتطابق مع الحقيقة؟: “لا. مشاعري تتطابق مع افتراضاتي. الحقيقة الوحيدة الآن هي أن المخطط ليس في مكانه المعتاد. هذا كل شيء”.

بمجرد أن فصل الحقيقة عن الوهم، شعر بأن عقله أصبح صافيًا. اختفى الغضب، وحل محله التركيز. بدأ يراجع خطواته بهدوء. “لقد عملت عليه ليلة أمس حتى وقت متأخر… وكنت أشعر بالتعب… وخشيت أن أسكب عليه القهوة…” وفجأة، اتسعت عيناه. تذكر أنه بسبب خوفه عليه، قام بلف المخطط بعناية ووضعه في أنبوب الحفظ الآمن، وخبأه في الخزانة العلوية، وليس على مكتبه كالعادة. ركض “فوزووز” إلى الخزانة، ووجد الأنبوب. فتحه وقلبه يدق، فوجد المخطط سليمًا تمامًا.

تنهد بعمق، وشعر بالخجل من نفسه. كاد أن يدخل في “سجن الظنون” ويخسر صديقه بسبب وهم لا أساس له من الصحة. أدرك “فوزووز” في تلك اللحظة أن السؤال عن الحقيقة، والبحث عن اليقين، هو النور الوحيد الذي يحررنا من هذا السجن المظلم.