انتقل “فوزووز” بورشته إلى منطقة جديدة في “وادي الطموح”. كان المكان أكبر وأكثر هدوءًا، لكنه كان بعيدًا عن كل ما اعتاد عليه. لأول مرة في حياته، شعر “فوزووز” بغربة حقيقية وهو في أرضه. أصبح يذهب إلى ورشته الجديدة بلا شغف. شعر بأن الدنيا ضاقت عليه، وزاد همه. لم يعد يستمتع بعمله، وبدأت الأفكار الحزينة تسيطر عليه.

في أوقات التغيير والضياع، ننسى أن صحتنا النفسية مرتبطة بصحتنا الجسدية. الاهتمام بالجسد (بالأكل الصحي والنوم والرياضة) هو فعل من أفعال تقدير الذات، وهو أساس متين يعيد للنفس توازنها.
كان “فوزووز” يظن أن مشكلته نفسية بحتة، وأنه يحتاج فقط لتغيير طريقة تفكيره. لكن كلما حاول، زاد إرهاقه. لاحظ صديقه الحكيم “رشيد” هذا التغيير. زاره في ورشته الجديدة، فوجده شاحبًا، مرهقًا، والورشة حوله في فوضى.
جلس “رشيد” بجانبه. قال “فوزووز” بصوت متعب: “أنا لا أعرف ما بي يا رشيد. أشعر بغربة وضيق، ولا أجد أي معنى لما أفعله”. لم يتحدث “رشيد” عن الأفكار أو الروح، بل نظر حوله وقال بهدوء: “يا فوزووز، أنت تشكو من همّك، لكني أرى جسدك يشتكي بصمت. متى كانت آخر مرة أكلت فيها وجبة صحية؟”.
تفاجأ “فوزووز”. لقد كان يعيش على الوجبات السريعة والبسكويت لأسابيع. سأله “رشيد” مجددًا: “ومتى كانت آخر مرة نمت فيها ليلة كاملة دون انقطاع؟”. كان “فوزووز” يبقى ساهرًا حتى الفجر، يقلب أفكاره المقلقة.
ثم قال “رشيد” الكلمة الحاسمة: “لقد توقفت عن المشي. كنت تمشي كل صباح، والآن أنت حبيس هذه الجدران”. نظر “رشيد” إلى “فوزووز” بحب وقال: “أحيانًا، عندما تضيق بنا الدنيا، يكون الدواء في أفعال بسيطة نعتني بها بأجسادنا. إن صحة جسدك هي التي تشفي سقم روحك”.
لم يقدم له نصيحة معقدة. كل ما فعله هو أنه قال: “هيا بنا. اترك كل شيء، ولنمشِ معًا تحت الشمس”. تردد “فوزووز”، لكنه وافق. خرجا ومَشيا في الهواء الطلق. بعد المشي، ساعده “رشيد” في طهي وجبة صحية بسيطة. في تلك الليلة، شعر “فوزووز” بتعبٍ مختلف… تعبٍ جسدي صحي، وليس إرهاقًا عقليًا. فنام بعمق لأول مرة منذ انتقاله.
استمر “فوزووز” على هذا المنوال لأيام. الاهتمام بطعامه، وتنظيم نومه، والحركة في الهواء الطلق. شيئًا فشيئًا، بدأ ضباب الغربة والهم ينقشع عن عقله. بدأت ورشته الجديدة تبدو وكأنها “بيته”. أدرك “فوزووز” أن حبه لنفسه واعتناءه بها يبدأ من جسده؛ فبشفاء الجسد، بدأت روحه تجد طريقها للشفاء أيضًا.

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.